

قصيدة «فرعون»؛ تستحضر فرعون لا بوصفه حكايةً انقضت، بل صورةً للطغيان كلما أعاد التاريخ ملامحه. وبين الاستعلاء وسنن السقوط، تمتد القصيدة من فرعون وجنده إلى واقع الإنسان وأرضه ومقدساته، لتقول إن دورات الزمان قد تبدل الوجوه ولكنها لا تطال السنن : و لَيلٍ سألتُ ألم تأذنِ لِصُبحٍ وما الصُبحُ بالأَبيَنِ ولم تُرخِ سِتراً ولم تُبلَجِ بِشَمسٍ أمِ الشمسُ لم تَفطُنِ كأَنَّ الَّلَيَالِي جِيَاعٌ تَغَذّت سَواداً بِهَامِي و مِن أَجفُنِي فلا تعذِلَنَّ غَرِيبَ النَّوَى شَرَوهُ بِبَخسٍ كما بِعتَنِي و شَرُّ البَلَايَا أُخَيٌّ خَؤُونٌ كما قد سَمِعتُ فَأَشهَدتَنِي بِسَبعٍ عِجَافٍ أكَلنَ الشبابَ فظلَّت عِجَافَاً و لم تَسمَنِ وقد كُنتُ جَذعَاً و لِي حِيلَةٌ و كُنتُ الوَفِيَّ و لو خُنتَنِي و كُنتُ الجَسُورَ على نَزعَةٍ تَسُوقُ العفيفَ لِبَابِ الغَنِي و كُنتُ الصَّبُورَ على كَيدِ مَن أَطَالَت يَدَاهُ يَدَا السَّاجِنِ و ما ضَرَّ لولا نَقَضتَ وَثِيقاً و لولا نَسَجتَ مِنَ الأوهَنِ فَكَيفَ وجدتَ نِطَاحَ الجِبَالِ و قد نِلتَ حَظَّاً فَجَرَّبتَنِي و ما كُنتَ كُفُوَاً لِما نِلتَهُ و لا كُنتُ كُفُوَاً لمِا نالَنِي أَمِثلُكَ خَصمٌ و إِن لاحَ لِي بِمَيدَانِ غَدرٍ خَفٍ أَجبَنِ و ما وَكزُ مُوسى لِذَاكَ الفَتَى بِمُغدِيهِ نِدَّاً لِذَا الأرعَنِ اِلَاهِي و أنتَ الرَّقِيبُ على عِبَادٍ عَرَفتُ فَأزهَدتَنِي و أنتَ العليمُ بما قُلتُهُ و ما قِيلَ عنِّي و ما عابَنِي حَفِظتَ السَّفِينَ و ذاكَ اقتَضَى عُيُوبَاً تُخَفِّي عن الأعيُنِ وما اسطَاعَ صبرِي سِوى أنَّ لِي ضُلُوعَاً يَهِجنَ فَيَسأَلنَنِي سؤالَ اللَّبِيبِ على لُبسِهِ أَذَاكَ ادِّخَارٌ لَهُ رِدتَنِي أَلَا لَيتَ شِعرِي مَبِيتِي بِثَغرٍ و غِمدِي نَوَارٌ فَلَم تُقرَنِ بلى أُمَّ مُعتَصِمِ العِزِّ إنَّ حديدَ السُّيُوفِ على المَفتَنِ فما أَغنَ ظَنٌ عن الحَقِّ حتى يَغُورَ الذُبَابُ مِنَ الأَطعَنِ بِمَرجٍ خَصيبِ الثَّرَى مُحصَرٍ فَلا يُرجَ قَطُّ خَلا المُحسِنِ فَطُوبَى لِبَيتٍ سَقَتهُ دِمَاكُم و طُوبَى لِمَيتٍ و لِلدَّافِنِ رُبَاعِيُّ سُورٍ بِهِ عَشرَةٌ و خَمسٌ و بَابٌ بِهِ فَالقَنِي أَبَابَ البُرَاقِ تُرَى هَل لَنَا لِقَاءً كَعَهدٍ مَضَى أَم تَنِي عَتِيقَ النُّقُوشِ كَرُوحِ المُعَنّى فمالي بُعِثتُ و لَم تَنسَنِي أَنا إِن نَسِيتُكَ كُنتُ أَنَن النَّسِيَّ فبِاللهِ لا تُؤذِنِي و لا تُذكِيَنَّ حَنينَ اللِّقَاءِ فما فاتَ آتٍ و إِن جُزتَنِي و قد ماتَ فِرعَونُ لَكِنَّهُ تَوالى قُرُونَاً و لَم يُظعِنِ أليسَ الزَّمَانُ يَدُورُ بِنَا شُهُودَاً على دَورَةٍ للسِّنِي و ما كُلُّ آنٍ سَنَا وَهجُهُ ولا كُلُّ وَجهٍ ئِذِن سَرَّنِي وقد بِتُّ لَيلِي و مَا بَاتَ لِي مِنَ الخَوفِ جَفنٌ على مَأمَنِي فما كُلُّ خوفٍ يَقُضُّ الضَّجِيعَ و لَكِنَّ خَوفِي على مَوطِنِي و شَيخٍ كَسِيرٍ عَصَتهُ عَصَاهُ و طِفلٍ تَحَدَّبَ كالمِحجَنِ يعيشُ بِموتٍ كريمٍ و لكن لِأُمٍ تُحَاذِرُ أَن تَنثَنِي و ألَّا تَصَبَّرَ عندَ المَصَابِ و أن تَجزَعَنَّ و إِن تُحزَنِ فياربُّ قَرحِي بَلِيغٌ مَدَاهُ لِضُرٍّ تَرَاهُ بِها مَسَّنِي سَقِمنا و منكَ الشِّفَاءُ فلا تُغادِر عَدُوِّي و مُستَوطِنِي فَإلَّا وقد زالَ رأسُ البلاءِ و زِيلَ الجُدُودُ و زَالَ البَنِيّ و أذهَبتَ عنَّا فِرَاخَ الزِّنَا و عَطَّلتَ منها الدُوى و المَنِيّ و أَرغَمتَ أَنفَ نَفِيرِ الطُغَاةِ و كُلَّ ذُنَيبٍ لَهُم يَنحَنِي عُتُلٍ زَنِيمٍ رَبِيبِ القُرادِ بِأَصفَانِ كَلبٍ جَوٍ مُنتِنِ و هَوَّنتَ لُؤمَ الجِرَاحِ فَما لِلُؤمِ الجِرَاحِ هُنا مِن حَنِي و دَبَّرتَ أَمرَ الحديدِ بِما فَضَلتَ على سَائِرِ المَعدَنِ و أَمرِ الشَّرَارِ و ما شَرُّهُ عَصِيٌّ لِأَمرِكَ فَليُذعِنِ و فوَّضتَ أمرَ الدُّخَانِ لمن يُحَرِّز عِبَادَكَ مِن مُدخِنِ و أعدَدتَ ناراً سُرَادِقُهَا تُحِيطُ بِنَارِ العِدَا وانجِنِي كأنِّي بِمَوجٍ تَعالى رُكَامَاً و فُلكٍ تَهَادَى فَلَم تُسكَنِ و صوتٍ تَنَادَى بُنَيَّ بُنَيَّ حَشَايَ بِرَبِّكَ لا تُؤسِنِي ولا تَعزِلَنَّ معَ الكافرينَ بَلِ اركَب بُنَيَّ وَلا تَعصِنِي فَلا عَاصِمَ اليَومَ مِن أمرِ رَبِّي ولا جُندُ رَبِّي إذٍ تُهدَنِ فيارَبَّ ذا الُّلجِّ والغَيهَبِ أتِمَّ بِنُورِكَ ما هَمَّنِي و أَسمِع لِقَلبِي فَقَد صَمَّهُ ضجيجَ الحياةِ كما صَمَّنِي و رُدَّ ضِيَاءاً بَصُرتُ بِه غَدَاتِي و نُورَاً لَهُ رُدَّنِي و جَنِّب خُطَايَ طِرَادَ الهَوىَ إليكَ تَضِلُّ ألا فَاهدِنِي و ثَبِّت بِحَبلِكَ ما قد أَبَى و شُدَّ إليكَ و لا تُرخِنِي لِنَفسٍ شَمُوسٍ و أَظفِر بِها فَطَوعَاً و كَرهاً بِها فأتِنِي ولا أَن تَذَرنِي وَحِيداً و لم يكُن بِدُعَائِكَ ما يُشقِنِي فَأَنِّس بِلُطفِكَ قَلبِي الذي يُسَاقُ القِفَارَ و لا تَنفِنِي و أيِّد بِوَصلِكَ ما قد سَمَى لِوَصلِ الشَّفِيعِ و لا تُخزِنِي ولا أن تَذَرنِي طَرِيحاً لَدَى كِتَابٍ مُنِيرٍ و لا تُعمِنِي و عَلِّم فَلا عِلمَ إلَّا الذي تَشَاءُ فَيبقَى أو تُنسِنِي و جَدِّد بما شِئتَ منِّي الهَوَى لِعِلمٍ طَلَبتُ وَلم تُعطِنِي و لم يَغدُ عَنِّي و لم يَغتَدِ ولم يُبدِ وَصلاً و لم يَقلِنِي فيارَبُّ عِلمَاً يُفِيضُ السُّفُوحَ لِيَدفَعَ مِنها الرَّفِيعُ الدَّنِيّ و نَفسَاً تَخَلّى عنِ الطِّينِ حتّى تَرَقَّى المَعَارِجَ لا تَنثَنِي و هَب لِي أَرَاكَ فَما شِئتُ إِلّا و قد شِئتَ أَنتَ فأَنشَأتَنِي أَيُرجَى سِوَاكَ و وَجهُكَ بَاقٍ و كُلُّ الخَلائِقِ يوماً فَنِيّ و صَلِّ على أطيبِ الخلقِ قَلبَاً أَرَقِّ النَّدَى أَحسَنِ الأَحسَنِ أَحَبُّ البَرايا لمن صَاغَهُ مُنِيرَاً و مِن حُبِّهِ صَاغَني صَلاةً تَصِلنا بِها حَوضَه و كَرِّر صَلاتي على أحمدٍ كُرُورَاً على الدَّهرِ ولتَزدَنِ كما خَفَّ بَحرٌ فَطَالَ الجِبَالَ غَمَاماً يَبِيضُ الزُّلالَ السَّنِي و حَبِّب الى عَرفِنَا شَمَّهُ و عَطِّر سَلامِي لَهُ واعتَنِي --- #قصيدة_فرعون

